حرب إيران في ميدان العراق… مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

كشف تقرير حديث عن تعاظم نفوذ الفصائل المدعومة من إيران في العراق، خصوصًا بعد الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة، مما يعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد. يزداد نفوذ الفصائل المدعومة من إيران في العراق بشكل كبير، مستفيدة من التوترات الإقليمية وعمليات الاندماج داخل الدولة.

تزايد هذا النفوذ دفع العراق إلى مفترق طرق، حيث تواجه الحكومة تحديات كبيرة في حصر السلاح بيد الدولة وإعادة بناء السيادة الوطنية في ظل هذا التغلغل. يتناول هذا التقرير تفاصيل هذه المشهد المعقد، مسلطًا الضوء على التداعيات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

تغلغل الفصائل المدعومة من إيران في العراق: من الميدان إلى الدولة

شهدت بغداد مظاهر متناقضة بعد تقارير عن استهداف المرشد الإيراني. فبينما أقام البعض مجالس عزاء في هدوء، اندفعت مجموعات أخرى بعنف نحو السفارة الأمريكية. هذه الأحداث كشفت عن ازدواجية واضحة بين حلفاء طهران في العراق.

تظهر هذه المجموعات بوضوح في المشهد العام، وتحتكر النقاش حول الولاء لإيران. بينما يرى بعض العراقيين الشيعة في الحرب فرصة لانتقاد النفوذ الإيراني، إلا أنهم يتعرضون لحملات تخويف واسعة النطاق.

حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضهم تعرض للاعتقال. رغم أن المحاكم لم تتعامل بعد مع هذه الشكاوى، إلا أن الرسالة التي وصلت كانت واضحة وهي تكميم الأفواه المعارضة.

شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق” عشرات الهجمات بعد استهداف المرشد الإيراني. ووفقاً للتقرير، هذا يعكس استخدام تسمية “المقاومة” كغطاء للمنفذين الأصليين، بينما قادته يواجهون تحديات التوازن بين الولاء للدولة والفصائل.

يواجه قادة الفصائل المسلحة، ومن خلفهم الحرس الثوري، تحديًا في ضبط مجموعاتهم بين المؤسسات الحكومية والميليشيات. هذا الوضع يلقي الضوء على المساحات المظلمة من النفوذ الإيراني في العراق، ويذكر التقرير أن إيران تتحكم بـ “عصب النخاع” في هذه الشبكة.

تحول الأراضي وموارد الدولة إلى إقطاعيات للميليشيات

باتت الأراضي الزراعية جنوب بغداد تتحول إلى “إقطاعيات” جديدة تسيطر عليها فصائل مسلحة. بينما كان السكان السابقون يزرعون الحبوب، أصبحت الآن هذه الأراضي مجالًا للاستثمارات والنفوذ غير المرئي.

يوضح مسؤولون سابقون وحاليون في وزارة الزراعة أن هذه الاستراتيجية أبعد من كونها “دجاجة تبيض ذهباً”. هي تمثل “ابتلاعًا مستمرًا للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي”، وفقاً للي التقرير، مما يعمق هيمنة طهران على العراق.

يقول قيادي شيعي إن “كل شبرٍ يتراجع عنه [حزب الله] في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق”. هذا التصريح يكشف عن استراتيجية توسعية واضحة تتخذ من الأراضي العراقية ميداناً لتثبيت النفوذ.

تتجه هذه الفصائل نحو الأراضي، مما يؤدي إلى صراعات واشتباكات على الموارد، كما حدث في يوليو 2025 باقتحام إحدى العصابات المسلحة لدائرة الزراعة في منطقة الدورة ببغداد. ما أسفر عن مقتل شرطي ومدني وعنصر من كتائب حزب الله.

تصريحات حكومية وصفت الحادثة بأنها تزوير عقود، لكن المصادر تشير إلى أن الاشتباكات كانت جزءًا من صراع أوسع على النفوذ بين الفصائل. وهذا يؤكد أن التحكم في الموارد أصبح جوهر التنافس بين هذه المجموعات.

لم تكن هذه الاشتباكات جديدة، فمنذ عام 2020، اعتقلت مديرية أمن الحشد الشعبي قادة ميليشيات بعد أن كان لهم دور في محاربة تنظيم “داعش”. هذه الاعتقالات التي طالت شخصيات مثل علي الياسري وحميد الجزائري وواثق البطاط تعكس محاولات للسيطرة الداخلية.

وفقاً للتقرير، فإن حوادث مثل “حرق حقول دواجن” و”مستشفيات” و”مطاعم” هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاكات بين الجماعات المسلحة على الموارد. تشير هذه الحوادث إلى أن بعض المجموعات تعمل “كحافظة مالية لصالح الحرس الثوري الإيراني”.

تاريخ الاندماج: تحولات مستمرة في بنية الفصائل

نُظر إلى الحشد الشعبي في الأسبوع الثاني من الحرب على أنه قوة رئيسية في المشهد العراقي، حيث انضم مشرعون ومسؤولون إلى مجالس عزاء وفعاليات رمزية للمرشد الإيراني. هذا يعكس هدنة بين متنافسين ينتمون إلى حليف واحد.

يقول مدون معروف أن سفارة إيران في بغداد وبّخت ناشطًا عراقيًا لعدم “دفاعه عن إيران”. هذا المناخ جعل من الصعب إظهار الآراء الوسطية، مما يشير إلى تضييق الخناق على أي معارضة علنية.

التحذيرات تمددت لتصل إلى شخصيات بارزة مثل هادي العامري، رئيس منظمة بدر، الذي تعرض لهجوم من أفراد قبائل جنوبية مرتبطة بفصائل مسلحة. هذا الهجوم يعكس تصاعد التوتر ضمن شبكة الولاء لإيران.

على الرغم من تزايد نفوذ الفصائل الشيعية المندمجة في السياسة، إلا أن إيران عبرت عن استيائها من “المواقف المترددة” لبعض قادة الإطار التنسيقي في دعم الجمهورية الإسلامية، كما أشار محمد أسد قصير، مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، في 17 مارس 2026.

منذ انتخابات نوفمبر 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في البرلمان العراقي. هذه الكتلة النيابية سمحت لهم بالتصارع على حصصهم في الوزارات، وتعزيز نفوذهم في تشكيل الحكومة الجديدة.

يقول قيادي شيعي للتقرير إن “ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل الإطار التنسيقي، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم”. هذا يعكس قدرتهم على التأثير في صنع القرار الحكومي.

تزامن الحرب الأخيرة مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية، وهي الأكبر منذ عام 2003. هذه العمليات ليست جديدة، لكنها تتزايد وتيرتها وعمقها في كل مرة.

يقول مسؤول شيعي في التحالف الوطني-وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة. ويشير إلى أن “الأمر بدأ مع الأمريكيين وانتهى إلينا… نحن شركاء في هذا دون قصد”.

يشير التقرير إلى أن أول عملية دمج للميليشيات حدثت في يونيو 2004 بقرار من بول بريمر، الحاكم الأمريكي المدني للعراق، والذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. هذا القرار ساهم في تأسيس “المنطقة الرمادية” لنفوذ إيران.

تعامل هذا القرار مع الميليشيات “كما لو أنها شركات أمنية”، وفقًا لضابط متقاعد من الداخلية. هذا الاندماج أتاح للفصائل التحرك بحرية في الوزارات، مما يمثل “اختراقًا سياسيًا” للدولة.

آليات الاندماج والتحولات الاقتصادية والسياسية

مع كل موجة اندماج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، مما يعكس دورة مستمرة لإعادة توزيع النفوذ. هذه العملية مصحوبة باحتكاكات متعددة، تعكس نموًا تنافسيًا لهذه المجموعات.

يشير الباحث هشام داود إلى أن بعض هذه الفصائل تشكلت مباشرة بعد 2003، بينما البعض الآخر نشأ من “انشطارات متتالية” داخل التيار الصدري. هذا التطور يعكس تعقيد وتنوع المشهد الفصائلي في العراق.

بين عامي 2005 و2010، حدث اختراق مؤسسي كبير، حيث دخلت جماعات مثل “منظمة بدر” و”جيش المهدي” وزارات ومؤسسات إنفاذ القانون. هذه الفترة شهدت نموًا لنفوذهم السياسي والايديولوجي، مع ظهور “تجار حرب” مرتبطين بالعصبيات العشائرية والاقتصاد غير الرسمي.

بدأت ملامح “دولة داخل الدولة” تبرز قبل احتلال داعش، حين أبرم رئيس الوزراء نوري المالكي اتفاقًا مع واشنطن لسحب قواتها. هذا مهد الطريق لظهور فصائل جديدة مثل “عصائب أهل الحق”، وتشكيل أجنحة مسلحة جديدة لها.

يذكر داود ظهور نمط ثالث من الفصائل بعد الانسحاب الأمريكي، بدعم مباشر من الدولة، وبعلاقة وثيقة بمنطق الريع والموارد، مما جعلها أقل استقلالية. كان هذا النمط نتيجة مباشرة لارتفاع التوترات الطائفية بين عامي 2011 و2014.

جاءت الشرعنة الكبرى للفصائل بين عامي 2014 و2017، عندما سمحت الحرب ضد “داعش” للمنتصرين بالحصول على اعتراف قانوني وسياسي واجتماعي. هذا منحهم شرعية مضاعفة، خاصة عبر مؤسسة “الحشد الشعبي”.

امتد نفوذ الفصائل المسلحة ليشمل الوزارات والمنافذ الحدودية، وأصبحت تخرج منها عقود تجارية واستثمارات. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، مما حولها إلى “قوة اجتماعية-اقتصادية لا مجرد تشكيل عسكري”.

يرى بعض أنصار الإطار التنسيقي أن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة في الدولة “مبالغات صنعتها سرديات إقليمية”. ومع ذلك، يصر النائب السابق سجاد سالم على أن “الميليشيات هي التي تحكم العراق”، وهذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني.

يُزعم أن منح السلطة لهذه الفصائل يعود لتصور أمريكي خاطئ بأنها ستهذب سلوكها وستحد من النفوذ الإيراني. لكن ما حدث هو عكس ذلك، حيث ازداد تغلغل الفصائل المدعومة من إيران في العراق.

يقول نيك غازيتي إن “العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية للحرس الثوري، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية”. هذا يؤكد الدور المحوري للعراق في استراتيجية إيران الإقليمية.

للحرس الثوري الإيراني دور كبير في تهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجهم في الحياة العامة، مما يضمن “الولاء شبه المطلق” لهم. هذا التكتيك يضمن سيطرة عميقة على مؤسسات الدولة العراقية.

تغيير الجلود: استمرار النفوذ رغم التسميات الجديدة

تعرضت المنطقة الخضراء لمئات الهجمات بالصواريخ والمسيرات طيلة أسابيع الحرب، استهدفت السفارة الأمريكية ومنشآت حكومية. هذا كشف عن عمق تغلغل الفصائل المدعومة من إيران في العراق.

وفي هذا السياق، تكافح حكومة محمد شياع السوداني للفوز بولاية ثانية، مستندة إلى كتلة نيابية تضم فصائل مسلحة موالية لإيران. السوداني يقود كتلة “الإعمار والتنمية”، وهي تحالف غير متجانس يضم أحزابًا وجماعات مسلحة.

يثير التساؤل حول كيفية اندماج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وفي الوقت نفسه تنفيذها لهجمات ضد إراداتها، تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة: استمرار النفوذ الإيراني على الساحة العراقية.

في شهادة لمسؤول حكومي سابق، طُلب من الحكومة معلومات عن أحد أعضاء خلية مسلحة اعتقلت بعد مهاجمتها السفارة الأمريكية، مما يشير إلى أن الفصائل لديها هياكل موازية خارج سيطرة الدولة.

يوضح سجاد سالم أن “إيران تتعامل مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة”. هذا يكشف استراتيجية دقيقة للهيمنة على العراق.

تواجه الفصائل عقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية، لكن هذا لا يقلل من نفوذها. يحاول قيس الخزعلي، رئيس “عصائب أهل الحق”، تغيير لغته السياسية، “لكن إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد”، بحسب مسؤول سابق في الخارجية الأمريكية.

مستقبل العراق: شراكة بين الدولة والميليشيات؟

بعد الحرب والهدنة الهشة، يمارس الأمريكيون ضغوطًا لتغيير جوهر الحكم في بغداد. لكن سجاد سالم يرى أن الحرب كشفت “من يحكم بغداد بالفعل” -الفصائل المسلحة- مما يعني أن “طهران ربحت بغداد بالكامل”.

يتصور الباحث هشام داود أن “اليوم التالي” للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، لن يشهد انهيارًا كاملاً للدولة، بل “نموذجًا انتقاليًا من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعليًا بين شبكات نفوذ متعددة”.

التهديدات الأمريكية تدفع الأحزاب الشيعية لتشكيل حكومة جديدة تحيد “الحشد الشعبي” من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية. هذا يضع قادة الإطار التنسيقي أمام اختبار حقيقي بين حماية نفوذهم أو الحفاظ على السلاح.

يقترح نيك غازيتي نموذجًا كلاسيكيًا لتحول الميليشيات إلى “حرس وطني”، لكنه يرى صعوبة في تطبيقه على العراق بسبب “السردية العقائدية للجماعات الشيعية” والتغلغل العميق لـنفوذ الفصائل المدعومة من إيران في العراق.

في النهاية، لن يكون شكل الدولة القادمة “دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل-وليس بإلغائها-داخل النظام السياسي”. يبقى الصراع حول الموارد والنفوذ هو المحرك الأساسي للأحداث في العراق، مع تساؤلات حول مدى تأثير المفاوضات الدولية على هذا الواقع.